![]() |
| Add caption |
توقف صاحبيه عن الركض بعدما أصاح بعض الراكبين فيهما ليكفا عن أزعاج الاخرين بصوت ضحكاتهم .. ساد الهدوء وأنطفأت أبتسامه الصغار ووضع ذو الوجه الملائكي يده فوق فمه وخبأ أبتسامته عن الجمع العبوث وظلت عيناه تبتسم للفتاه ولكن الهدوء لم يدم طويلا فقد دخل القطار الي المحطه وبدأت أبوابه تنفتح أمام الركاب الجدد .
صعدت أمراه وزوجها ومعهما طفلهما الصغير وصعد أيضا رجل عجوز يتكأ علي ذراعي شاب في مقتبل العمر يبدو وأنه حفيده .. للمره الثانيه لم تثير الكهوله والشيب حميه الشباب الذين جلسوا في مقاعد كبار السن وذوي الأحتياج بدون أستحياء بينما وقف الرجل العجوز يتحامل علي ذراعي الحفيد حتي لا يقع وتهان شيبته , نظرت الفتاه الي العجوز وتمنت لو انها كانت تملك مقعدا اخر لتجلسه عليه ولكنها لم تكن تملك ذلك المقعد ولا حتي فسحه كافيه من أرض القطار لتقف مستويه وتحمي نفسها من التخبط مع من حولها عند أهتزاز القطار .
حاولت أن تفكر في طريقه لتساعده , فطلبت من الشباب الذين كانوا يجلسون ورائها أن يقوم أحدهم ليجلس الرجل العجوز مكانه ولكن صوتها لم يكن ليرتد صداه في تلك القلوب الصماء فعلي صوتها وصرخت " ليجلس أحد هذا العجوز مكانه "
هذه المره لقا صياحها صدي في أذن الجميع .. ترددت الكلمه في الهواء حتي أرتطمت بجميع أركان العربه , أنتبه الجميع اذن !!
ظنت هكذا , ولكن أبت قلوبهم الا ان تشرد بعيدا بينما تمسكت أجسادهم الفانيه بمقاعدها .
ساد الصمت من حولها .. فأبتسم لها العجوز شاكرا لأهتمامها وبعينيه يطمئنها انه ليس غاضبا لان احد لم يجلسه مكانه .. أبتسمت له وأشاحت بوجها بعيدا حتي لا يلمح تلك الدمعه في عينها و بداخلها يصرخ قلبها " ربي لا تردني الي أرذل العمر .. لا تردني لزمان يهان فيه الشيب "
مدت المرأه العجوزه ذات المعطف القديم يدها لتربت علي ذراع الفتاه وقالت لها بصوت حنون " هوني عليكي يا بنيتي فالله أرحم بنا من أمهاتنا " أبتسمت الفتاه لها وعيناها تتلالأ بدموع الشفقه علي من حولها .. فقد ماتت قلوبهم وهم ما زالوا في ريعان الشباب .
دخل القطار الذي هجرته نسمات الهواء وتوقفت عرباته عن التخايل علي قضبان السكه الحديد الي اولي المحطات تحت الأرض التي بدت مزدحمه جدا
وسرعان ما فتحت الأبواب و أخذ كل من علي الرصيف التدافع الي داخل العربه لا يكترثون لمن يتعثر بجوارهم ولا بمن يصطدم بحواف أبواب القطار أثناء خروجه منه .. بدت الفوضي تجتاح العربه وعلت الاصوات التي تنوعت ما بين صراخا ونحيب وبين تهكم وسخريه .. بدت العربه كالجحيم تتناطح فيه الشياطين .
لم يدم الوضع طويلا فقد أغلقت الأبواب وما أن أخذ القطار في التحرك حتي هدأت الأصوات قليلا .. هدأت شيئا فشيئا حتي كادت ان تصل للسكون , تنفست الفتاه الصعداء فقد رحلت الشياطين .
هي لم تدرك أن الشياطين لم ترحل فقط بل و حضرت الملائكه الي العربه أيضا .. صوت عذب يتردد في أركان العربه , ليس بصوت بشر ولكنه نغمات تتراقص .. يا لرقتها وسحرها الفتان , أنها اله " الهارمونيكا" .
حضرت الملائكه ومعها بائع الهيرمونيكا الذي أخذ يعزف ويطرب القلوب حتي يبيع ما أتي حاملا له .
تهافت عليه الصغار , كل يحمل بضع الجنيهات التي أعطاها له والده او والدته ليشتري هارمونيكا .. والصغير الذي ركب القطار مع أمه وابيه في المحطه التي صعد فيها الرجل العجوز وحفيده أخذ يصيح بأبيه ليشتري له هارمونيكا هو أيضا .
مد الأب يده للبائع بثمن الهارمونيكا حين تعلقت عين الصبي الفقير ذو الابتسامه الملائكيه بما اشتري الصبي الاخر .. أبتسم من معه والديه وأخذ يعزف علي الته حين تجمدت الدموع بعين الاخر .
كلاهما صبي .. لا يرغبان في الكثير من الحياه , فقط يرغبان ببعض الالعاب والملابس النظيفه والطعام والشراب أحدهما نال ما تمني وأكثر والاخر لم ينل شئ ..
تدخلت الفتاه لتحاول ان تزن كفتي الميزان قليلا .. فذهبت وأشترت هيرمونيكا واحده من البائع وعادت الي حيث جلس الصبي بعيدا في أخر العربه مخبأ هذه المره عينيه بيديه حتي لا تفضحه دمعاته , رتبت علي رأسه فرفع عينيه اليها وتغيرت الدموع لشهقه مدويه مصحوبه بضحكه صافيه من ثغره الجميل .
فرح بألته وفرحت هي لفرحته .. ولكن صاحبيه قد صاحا فيها بعبوس شديد " لم لم تشتري لنا نحن أيضا هارمونيكا ؟! "
أجابت وهي خجله " لم يعد معي نقود كافيه "
لم تكن تكذب فرغم ان الهارمونيكا زهيده الثمن الا انه يجب عليها ان تشتري بضع الحاجات ولو اشترت لهم هما ايضا اثنين لأثر ذلك علي ما سوف تشتريه .
هي لن تسطيع ان تزن يوما كفتي الميزان ولن يستطيع أحد ان يزنها وحده , هكذا أدركت ضعف قدراتها .
ولكن كما قالت المرأه العجوز ( الله أحن علينا من أمهاتنا ) وقد كانت المراه العجوز أما يوما .. وكانت تعلم ان اكثر ما يفرح الصغار هو الالاعب ..ربما يفرحهم اكثر حتي من الطعام والشراب , فنادت للبائع وهمست في اذنه بشئ لم ينتبه له أحد الا عندما صرخ الصغيران فرحا بما أعطاه لهم البائع .. لقد حصل كل منهما علي الهارمونيكا ..
دخل القطار الي المحطه للمره الثالثه ووقفت المرأه ذو المعطف القديم وكانها ستهم بالرحيل وهرع اليها الصغيرين شاكرين اياها فاخذت تبتسم لهم ثم استدارت ورتبت علي كتفي الفتاه وهمست في أذنها للمره الأخيره " لن تسطيعي وحدك ان تغيري الكون ولكن نستطيع جميعا ان نغيره معا حين يأذن لنا الله "
ثم أشارت للرجل العجوز ليأتي ليجلس مكانها .. وجلس الرجل أخيرا ليريح شيبته وهو ممتن لها , نزلت من القطار ونزل معها الصغيرين ومعهما الصبي ذو الوجه الملائكي يتراقصون فرحا ويلوحون بأيديهم الصغيره للفتاه
ثلاثتهما يعزف علي الهارمونيكا .. للحظات كانوا أطفال مثل باقي الاطفال لا يعبئون بشئ من الدنيا سوا باللعب
هكذا تتزن كفتي الميزان ويمسي الكون أفضل حين نهدي الأخرين ~ لحظه سعاده ~ ليتراقص علي نغماتها قطار أعمارهم .



0 comments
إرسال تعليق